صديق الحسيني القنوجي البخاري
412
فتح البيان في مقاصد القرآن
صورة قد لبست من الحسن البديع ما لم يعهد على أحد من البشر ولا أبصر المبصرون ما يقاربه في جميع النسمة البشرية ثم لما نفين عنه البشرية لهذه العلة أثبتن له الملكية وإن كن لا يعرفن الملائكة وقلن : إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ على اللّه لأنه قد تقرر في الطباع وركز في النفوس أنهم على شكل فوق شكل البشر في الذوات والصفات وأن لا شيء أحسن من الملك وأنهم فائقون في كل شيء كما تقرر فيها أن الشياطين على العكس من ذلك ولا أقبح منهم والمقصود من هذا إثبات الحسن العظيم المفرط ليوسف . واعلم أنه لا يلزم من قول النسوة هذا أن الملائكة صورهم أحسن من صور بني آدم فإنهن لم يقلنه لدليل بل حكمن على الغيب بمجرد الاعتقاد المرتكز في طباعهن وذلك ممنوع ، فإن اللّه سبحانه يقول لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 95 ] وظاهر هذا أنه لم يكن شيء مثله من أنواع المخلوقات في حسن تقويمه وكمال صورته فما قاله صاحب الكشاف في هذا المقام هو من جملة تعصباته لما رسخ في عقله من أقوال المعتزلة . على أن هذه المسألة أعني مسألة المفاضلة بين الملائكة والبشر ليست من مسائل الدين في ورد ولا صدر فما أغنى عباد اللّه عنها وأحوجهم إلى غيرها من مسائل التكاليف قال قتادة : قلن ملك من الملائكة من حسنه وغرابة جماله ، وأخرج أحمد وغيره عن أنس عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « أعطي يوسف وأمه شطر الحسن » « 1 » وقد وردت روايات عن جماعة من السلف في وصف حسن يوسف والمبالغة في ذلك ففي بعضها أنه أعطي نصف الحسن وفي بعضها ثلثه وفي بعضها ثلثيه . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 32 إلى 33 ] قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 32 ) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 33 ) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ الإشارة إلى يوسف والخطاب للنسوة أي عيرتنني فيه قالت لهن هذا لما رأت افتتانهن بيوسف إظهارا لعذر نفسها ومعنى فيه في حبه وقيل الإشارة إلى الحب فالضمير له والمعنى فذلك الحب الذي لمتنني فيه هو ذلك الحب والأول أولى ورجحه ابن جرير . ويجوز أن يكون إشارة إلى المعنى بقولهن عشقت عبدها الكنعاني تقول هو ذاك العبد الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنني فيه ، قال الزمخشري : قالت فذلكن ولم تقل
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 162 ، وأحمد في المسند 3 / 148 ، 286 .